ابن كثير
29
البداية والنهاية
شعبان ، وكان الناس في خوف ورعب لا يعبر عنه ، لكن كان الفرج من ذلك قريبا ، ولكن أكثرهم لا يفلحون ، كما جاء في حديث أبي رزين " عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب " ( 1 ) . فلما كان آخر هذا اليوم وصل الأمير فخر الدين إياس المرقبي أحد أمراء دمشق ، فبشر الناس بخير ، هو أن السلطان قد وصل وقت اجتمعت العساكر المصرية والشامية ، وقد أرسلني أكشف هل طرق البلد أحد من التتر ، فوجد الامر كما يحب لم يطرقها أحد منهم ، وذلك أن التتار عرجوا من دمشق إلى ناحية العساكر المصرية ، ولم يشتغلوا بالبلد ، وقد قالوا إن غلبنا فإن البلد لنا ، وإن غلبنا فلا حاجة لنا به ، ونودي بالبلد في تطييب الخواطر ، وأن السلطان قد وصل ، فاطمأن الناس وسكنت قلوبهم ، وأثبت الشهر ليلة الجمعة القاضي تقي الدين الحنبلي ، فإن السماء كانت مغيمة فعلقت القناديل وصليت التراويح واستبشر الناس بشهر رمضان وبركته ، وأصبح الناس يوم الجمعة في هم شديد وخوف أكيد ، لأنهم لا يعلمون ما خبر الناس . فبينما هم كذلك إذ جاء الأمير سيف الدين غرلو العادلي فاجتمع بنائب القلعة ثم عاد سريعا إلى العسكر ، ولم يدر أحد ما أخبر به ، ووقع الناس في الأراجيف والخوض . صفة وقعة شقحب ( 2 ) أصبح الناس يوم السبت ( 3 ) على ما كانوا عليه من الخوف وضيق الامر ، فرأوا من المآذن سوادا وغبرة من ناحية العسكر والعدو ، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم ، فابتهلوا إلى الله عز وجل بالدعاء في المساجد والبلد ، وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم وضج البلد ضجة عظيمة ، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير ، ثم سكن الناس ، فلما كان بعد الظهر قرئت بطاقة بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان في مرج الصفر ، وفيها طلب الدعاء من الناس والامر بحفظ القلعة . والتحرز على الأسوار فدعا الناس في المآذن والبلد ، وانقضى النهار وكان يوما مزعجا هائلا ، وأصبح الناس يوم الأحد يتحدثون بكسر التتر ، وخرج الناس إلى ناحية الكسوة فرجعوا ومعهم شئ من المكاسب ، ومعهم رؤوس من رؤوس التتر ، وصارت كسرة التتار تقوى وتتزايد قليلا قليلا حتى اتضحت جملة ، ولكن الناس لما عندهم من شدة الخوف وكثرة التتر لا يصدقون ، فلما كان بعد الظهر قرئ كتاب السلطان إلى متولي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت
--> ( 1 ) في هامش المطبوعة : " في سنن ابن ماجة في كتاب السنة : " ضحك ربنا الخ " والأزل : شدة القنوط " . ( 2 ) شقحب : قرية في الشمال الغربي من جبل غباغب من أعمال حوران من نواحي دمشق ، معجم البلدان ، وسلوك المقريزي 1 / 932 ) . ( 3 ) وذلك في الثاني من رمضان ( مختصر أبي الفداء 4 / 48 ، السلو / 932 تذكرة النبيه 1 / 246 )